الحلبي
156
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وفي رواية : لما انكشف الناس عنه يوم حنين قال لحارثه ، بالحاء المهملة ، ابن النعمان : يا حارثة كم ترى الناس الذين ثبتوا ؟ فحزرتهم مائة ، فقلت : يا رسول اللّه مائة ، فلما كان يوم من الأيام مررت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يناجي جبريل عليه السلام عند باب المسجد ، فقال جبريل عليه السلام : يا محمد من هذا ؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : حارثة بن النعمان ، فقال جبريل عليه السلام : هو أحد المائة الصابرة يوم حنين ، لو سلم لرددت عليه السلام . قال : فلما أخبرني بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قلت له : ما كنت أظنه إلا دحية الكلبي واقفا معك . وفي رواية : لما فر الناس يوم حنين عن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يبق معه إلا أربعة : ثلاثة من بني هاشم ، ورجل من غيرهم : علي بن أبي طالب ، والعباس وهما بين يديه ، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان ، وابن مسعود من جانبه الأيسر ، ولا يقبل أحد من المشركين جهته صلى اللّه عليه وسلم إلا قتل . وذكر بعضهم أنه رأى أبا سفيان بن الحارث حينئذ آخذا بزمام بغلته صلى اللّه عليه وسلم ، ولا ينافي ما تقدم أن الآخذ بذلك العباس رضي اللّه عنه ، وأن أبا سفيان بن الحارث كان آخذا بركابه صلى اللّه عليه وسلم ، لجواز أن يكون آخذ بزمامها بعد أخذه بركابه صلى اللّه عليه وسلم . وعن أبي سفيان بن الحارث قال : لما لقينا العدو بحنين اقتحمت عن فرسي وبيدي السيف مصلتا واللّه يعلم أني أريد الموت دونه وهو ينظر إليّ ، فقال له العباس : يا رسول اللّه أخوك وابن عمك أبو سفيان فارض عنه ، فقال : غفر اللّه له كل عداوة عادانيها ثم التفت إليّ وقال : يا أخي ، فقبلت رجله في الركاب وقال صلى اللّه عليه وسلم في حقه « أبو سفيان بن الحارث من شبان أهل الجنة أو من سيد فتيان أهل الجنة » وليس قوله صلى اللّه عليه وسلم : أنا النبي لا كذب إلى آخره من الشعر ، لأن شرطه كما تقدم في بناء المسجد أن يكون عن قصد وروية ، بناء على أن مشطور الرجز ومنهوكه شعر وهو الصحيح ، خلافا للأخفش حيث ردّ على الخليل في قوله : إن الرجز شعر بأنه وقع منه صلى اللّه عليه وسلم في قوله المذكور ، وقد قال اللّه تعالى وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ [ يس : الآية 69 ] . وردّ بأن ما يقع موزونا لا عن قصد لا يقال له شعر . ولا يقال لقائله إنه شاعر كما تقدم مع زيادة ، وأنما قال صلى اللّه عليه وسلم : « أنا ابن عبد المطلب » ولم يقل أنا ابن عبد اللّه ، لأن العرب كانت تنسبه صلى اللّه عليه وسلم إلى جده عبد المطلب لشهرته ، ولموت عبد اللّه في حياته كما تقدم ، فليس من الافتخار بالآباء الذي هو من عمل الجاهلية كما تقدم في قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أنا ابن العواتك والفواطم » . وأخذ من هذا أنه لا بأس بالانتساب في موطن الحرب .